صديق الحسيني القنوجي البخاري

17

فتح البيان في مقاصد القرآن

56 ] والعتو مجاوزة الحدّ في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته قال ابن عباس : عتوا أي شدة الكفر ، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم ، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة اللّه سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان ، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغا ، هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدين له ، وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى . يَوْمَ أي : اذكر يوم يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ أي ملائكة العذاب رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها ، بل على وجه آخر وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر ، قال مجاهد : يوم القيامة ، وعن عطية العوفي نحوه . لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي يمنعون البشرى يوم يرون ، أو لا توجد لهم بشرى فيه ، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت أو يوم القيامة قد حرمهم اللّه البشرى ، بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة ، قال الزجاج : المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر باللّه ، وهو ظاهر في موضع مضمر ، أو عام يتناولهم بعمومه ، وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد : الكفار ، لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات . وَيَقُولُونَ عند مشاهدتهم للملائكة : حِجْراً حراما مَحْجُوراً هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو ، وهجوم نازلة هائلة ، يضعونها موضع الاستعاذة يقال للرجل : أتفعل كذا ؟ فيقول : حجرا محجورا أي حراما عليك التعرض لي . والمعنى يطلبون من اللّه أن يمنع المكروه فلا يلحقهم أي : يسأله أن يمنع ذلك منعا ، ويحجره حجرا . وقيل إن هذا من الملائكة أي يقولون للكفار : حراما محرما أن يدخل أحد منكم الجنة . وأن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين وقال أبو سعيد الخدري : حراما محرما أن نبشركم مما نبشر به المتقين ، وعن الحسن . وقتادة قالا : هي كلمة العرب تقولها عند الشدائد ، وقال مجاهد : أي عوذا معاذ الملائكة تقوله والحجر مصدر بمعنى الاستعاذة ، والكسر والفتح لغتان وقرىء بهما ، وقرىء الضم وهو لغة فيه وهو من حجره إذا منعه وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها ، هذه الكلمة ، وجعلها من جملتها ، وبه قال السمين ، والبيضاوي . والحجر : العقل ، لأنه يمنع صاحبه ، ومحجورا صفة مؤكدة للمعنى ، كقولهم ذيل ذائل وموت مائت . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ هذا وعيد آخر ، وذلك أنهم كانوا يعملون